الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووقوع هذه الجملة عقب ما عدد من النعم فيه إيماء إلى أن مصير نعم الدنيا إلى الفناء . والجملة استئناف ابتدائي . وضمير عَلَيْها مراد به الأرض بقرينة المقام مثل حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] ، أي الشمس ومثله في القرآن وكثير وفي كلام البلغاء . ومعنى فانٍ : أنه صائر إلى الفناء ، فهذا من استعمال اسم الفاعل لزمان الاستقبال بالقرينة مثل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] . والمراد ب مَنْ عَلَيْها : الناس لأنهم المقصود بهذه العبر ، ولذلك جيء ب ( من ) الموصولة الخاصة بالعقلاء . والمعنى : أن مصير جميع من على الأرض إلى الفناء ، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء . و وَجْهُ رَبِّكَ : ذاته ، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب . قال في « الكشاف » : والوجه يعبر به عن الجملة والذات اه . وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] وقوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الإنسان : 9 ] . وقد علم السامعون أن اللّه تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس . واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على اللّه تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء ، واندفع الجفاء ، وكلا الفريقين خيرة الحنفاء . وضمير المخاطب في قوله : وَجْهُ رَبِّكَ خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وفيه تعظيم لقدر النبي صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم غير مرة . والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكّروا ويعتبروا . ويجوز أن يكون خطابا لغير معيّن ليعمّ كل مخاطب .